أبي منصور الماتريدي

139

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر ، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل [ معصية وشر ] « 1 » ؛ وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر : الصبر هو كف النفس عن كل مأثم ، والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة ، هما أيضا في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد ؛ لأنه إذا كف نفسه من كل مأثم استعملها في الطاعة ، وإذا استعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية ؛ وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان : الإسلام هو تسليم النفس [ الله ] « 2 » خالصة سالمة لا يجعل لغيره فيها حقا ، والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء ، وهما في الحقيقة واحد وفي العبارة مختلفان ؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما [ لله تعالى ] « 3 » أقر بالربوبية له في نفسه وفي كل شيء ، وإذا صدقه وأقر له بالربوبية في نفسه وفي كل شيء جعلها لله ، وكل شيء له . هذه أشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد . ثم قوله : اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا : جائز أن يكون جواب قوله : وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي آمنه عما خاف وطلب منه المغفرة والرحمة . والثاني : السلام له منه هو الثناء الحسن ؛ كقوله : سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ [ الصافات : 79 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ : يحتمل أن يكون جواب قوله : أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً ، والبركة هي اسم كل خير لا انقطاع له ، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه . ثم قوله : بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ، على قول بعض أهل التأويل : ذلك السلام ، وتلك البركات في الدنيا : السلام لما سلموا من الغرق والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع . وعلى قول بعضهم : السلام والبركات جميعا في الآخرة . ثم جعل عزّ وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها ، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] ، وبقوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] ثم قال : قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الأعراف : 32 ] أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا ، ثم جعل [ للمؤمنين خالصة ] « 4 » يوم القيامة ، فذلك قوله : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ

--> ( 1 ) في ب : شر ومعصية . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : خالصة للمؤمنين .